ما الذي تخسره إسرائيل إذا تصالحت واشنطن مع طهران ؟ وهل تسقط رهانات الحرب ؟


مهدي مبارك عبدالله

لم يعد القلق الإسرائيلي من الاتفاق الأميركي الإيراني المرتقب مجرد خلاف تقني حول تخصيب اليورانيوم أو آليات الرقابة النووية بل تحول فعلا إلى هاجس استراتيجي عميق يتعلق بمستقبل التوازنات في الشرق الأوسط وبمصير المشروع السياسي والعسكري الذي قادته حكومة بنيامين نتنياهو طوال السنوات الماضية تحت عنوان إسقاط إيران ومحاصرة نفوذها ف حيث استثمرت تل أبيب الحرب والاغتيالات والعقوبات والحصار الاقتصادي والتحريض السياسي من أجل دفع واشنطن نحو مواجهة مفتوحة مع طهران الا انها تجد نفسها اليوم أمام احتمال عودة الولايات المتحدة إلى منطق التسويات والصفقات بدلاً من الحسم العسكري الكامل وهو ما تعتبره المؤسسة الإسرائيلية تهديداً مباشراً لمجمل أهدافها الاستراتيجية التي سعت إلى فرضها بالقوة منذ سنوات طويلة

القلق الإسرائيلي المتصاعد لا يرتبط فقط ببقاء البرنامج النووي الإيراني أو باستمرار القدرات الصاروخية لطهران بل يتجاوز ذلك إلى خشية عميقة من أن يتحول الاتفاق المرتقب إلى اعتراف أميركي عملي بأن إيران باتت قوة إقليمية لا يمكن إسقاطها أو تجاوزها أو عزلها بالكامل وإسرائيل طوال الوقت كانت تراهن على أن تؤدي الضغوط الاقتصادية الهائلة والحصار والعقوبات والحرب العسكرية والاغتيالات إلى إنهاك النظام الإيراني ودفعه نحو الانهيار الداخلي أو على الأقل تقليص نفوذه الإقليمي بصورة جذرية لكن المعطيات والدلائل التي تراكمت خلال الأشهر الماضية أظهرت أن إيران ما زالت قادرة على الصمود وإعادة التموضع وأن خيار الحرب الشاملة لم يحقق النتائج التي وعد بها نتنياهو وحلفاؤه

تل أبيب تدرك جيدا أن أي اتفاق أميركي إيراني سيعني عملياً الى تخفيف العقوبات والإفراج عن مليارات الدولارات الإيرانية المجمدة وهو ما تعتبره إسرائيل خطراً استراتيجياً مباشراً لأنه يمنح طهران فرصة لإعادة ترميم اقتصادها وتعزيز برامجها العسكرية ودعم حلفائها الإقليميين وفي مقدمتهم حزب الله لذلك فإن المؤسسة الأمنية الإسرائيلية تنظر إلى الاتفاق باعتباره طوق نجاة للنظام الإيراني في لحظة كانت تراهن فيها على دفعه نحو الاختناق والاستسلام الكامل

في العمق يبدو إن الأزمة الإسرائيلية الحقيقية تكمن في أن الحرب لم تحقق أهدافها الأساسية ةبعد أشهر من التصعيد والاغتيالات والقصف لا تزال إيران تحتفظ ببنية نووية متقدمة وبآلاف الصواريخ الباليستية وبشبكة حلفاء إقليميين ما زالوا قادرين على التأثير والردع وهذا ما يجعل أي عودة إلى التفاوض تبدو في الوعي الإسرائيلي اعترافاً ضمنياً بفشل استراتيجية الضغوط القصوى التي روجت لها حكومة نتنياهو والإدارات الأميركية المتشددة

بناء على ذلك يمكن بدقة فهم السلوك الإسرائيلي التصعيدي المتواصل في المنطقة وخصوصاً في لبنان حيث تعلم تل أبيب أن أي تهدئة أميركية إيرانية قد تعيد فرض قواعد اشتباك جديدة تحد من حرية عمل الجيش الإسرائيلي ولذلك تسعى إلى خلق وقائع ميدانية متوترة قبل اكتمال أي اتفاق وفي هذا السياق جاء اغتيال القائد العسكري في قوة الرضوان أحمد علي بلوط مؤخرا داخل الضاحية الجنوبية لبيروت في عملية حملت أبعاداً سياسية تتجاوز البعد الأمني والعسكري المباشر

هذه العملية المباغتة لم تكن مجرد استهداف ميداني لقائد عسكري بل رسالة إسرائيلية واضحة بأن تل أبيب لن تسمح لأي تفاهم دولي أو إقليمي بأن يقيد حركتها العسكرية في لبنان أو يمنعها من مواصلة سياسة الاغتيالات والضربات الاستباقية كما أرادت إسرائيل من خلال مواصلة التصعيد توجيه رسائل متعددة إلى واشنطن وطهران وحزب الله في آن واحد مفادها أن أي اتفاق لا يأخذ المصالح الإسرائيلية كاملة بعين الاعتبار سيبقى معرضاً للاهتزاز والانفجار

اللافت ايضا أن هذا الاغتيال جاء في منطقة مدنية جرى تحييدها مسبقا ضمن تفاهمات وقف إطلاق النار ما يجعله خرقاً خطيراً للقواعد التي تم التوصل إليها منذ نهاية عام 2024 لكن إسرائيل تبدو معنية بتقويض تلك التفاهمات تدريجياً لأنها تعتبر أن تثبيت الاستقرار في لبنان أو تخفيف التوتر مع إيران سيؤدي في النهاية إلى تقليص هامش المناورة العسكري والسياسي الذي استفادت منه خلال فترة الحرب بشكل واسع

التحركات الإسرائيلية تكشف في ذات السياق عن خوفا متزايدا من تراجع الأولوية الإسرائيلية داخل الحسابات الأميركية خاصة وان الرئيس دونالد ترامب وإن كان يقدم نفسه حليفاً قوياً لتل أبيب إلا أنه في النهاية اصبح يتعامل بعقلية الصفقات والمصالح الأميركية الكبرى وليس بعقلية الأهداف العقائدية الإسرائيلية ولذلك تبدو واشنطن أكثر ميلاً إلى احتواء الأزمة التي تورطت فيها مع إيران عبر التفاوض بدل الانخراط في حرب طويلة ومكلفة قد تهدد أسواق الطاقة وتفتح أبواب انفجار إقليمي لا نحمد عقباه

ضمن هذا التصور تحديداً يكمن أحد أكبر مصادر القلق الإسرائيلي لتل أبيب التي تخشى أن تقرر الولايات المتحدة إدارة الصراع مع إيران بدلاً من السعي إلى إسقاطها أو تدميرها بالكامل كما كان متفق عليه وهذا التحول إن حدث سيعني عملياً سقوط الرهان الإسرائيلي على تغيير جذري في موازين القوى الإقليمية عبر القوة العسكرية وحدها

إسرائيل في نهاية المطاف تدرك أيضاً أن أي اتفاق جديد قد يفرض عليها قيوداً سياسية وأمنية غير مباشرة خصوصاً فيما يتعلق بلبنان وسوريا والعراق والتفاهمات الكبرى عادة ما تتضمن ترتيبات تهدف إلى منع الانفجار الإقليمي وضبط التصعيد وهو ما قد يحد من قدرة إسرائيل ويغل يدها على تنفيذ عمليات عسكرية واسعة أو اغتيالات متكررة دون حسابات معقدة مع واشنطن

على الجانب الاخر لا زال نتنياهو يواجه مأزقاً داخلياً لا يقل خطورة عن التحديات الخارجية وهو الذي بنى جزءاً كبيراً من خطابه السياسي على فكرة أن إيران تمثل الخطر الوجودي الأكبر وأنه قادر على منعها من التحول إلى قوة نووية أو إقليمية كبرى ولذلك فإن أي اتفاق يسمح لإيران بالبقاء والاستمرار وإعادة ترتيب أوراقها سيبدو في نظر خصومه السياسيين والجمهور العام الإسرائيلي بمثابة هزيمة سياسية واستراتيجية بعد سنوات طويلة من التحريض والتصعيد والعمليات المكلفة

وفق هذا المنطق الواقعي تبدو إسرائيل اليوم في حالة استنفار سياسي وأمني وإعلامي واسع لتعطيل أي اتفاق محتمل أو على الأقل تعديله بما يضمن استمرار الضغط على إيران وحلفائها ولهذا تتكثف رسائل التهديد والاغتيالات والتسريبات الإعلامية والضغوط الدبلوماسية في محاولة لإقناع واشنطن بأن أي تسوية لا تحقق الشروط الإسرائيلية الكاملة ستتحول إلى خطر طويل الأمد على أمن المنطقة
عمليا ما كشفته التطورات الأخيرة يبدو عكس ذلك والموقع أن المنطقة ربما تدخل مرحلة جديدة عنوانها ( إدارة الصراع لا حسمه ) وأن الولايات المتحدة قد تكون أقرب إلى خيار الاحتواء والتفاهم من خيار الحرب المفتوحة وإذا صح هذا التحليل الاقرب الى المنطق فإن إسرائيل ستكون أمام واقع استراتيجي جديد لم تكن تريده ولا تراه منسجماً مع أهدافها الكبرى التي سعت إلى فرضها منذ سنوات عبر القوة والضغط والتصعيد المستمر

خلاصة القول : ما نلاحظه في خضم هذا المشهد المعقد ان إدارة دونالد ترامب يبدو أكثر ميلاً إلى إبقاء المنطقة على حافة الاشتعال بدل التوجه نحو تسوية حقيقية وشاملة تنهي أسباب التوتر والصراع وان سياسة الضغوط القصوى والعقوبات والحروب المحدودة لم تكن في جوهرها مجرد أدوات لاحتواء إيران بل جزءاً من مشروع أوسع لإعادة تشكيل الشرق الأوسط بما يخدم المصالح الأميركية والإسرائيلية معاً ولذلك تخشى أطراف دولية كثيرة أن يتحول أي اتفاق مرتقب إلى مجرد هدنة مؤقتة تُستخدم لإعادة ترتيب الأوراق واستكمال الضغوط بأشكال جديدة بما يبقي المنطقة رهينة الحصار والاستنزاف والتوتر الدائم ويمنح إسرائيل الوقت والغطاء اللازمين لمواصلة فرض وقائعها السياسية والعسكرية في الإقليم

كاتب وباحث مختص في الشؤون السياسية
mahdimubarak@gmail.com

 

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.