ما بعد خطاب العرش هل تنتقل الدولة من الوعود إلى مرحلة المحاسبة والإنجاز؟


مهدي مبارك عبدالله

 

 

لم يكن خطاب العرش الذي ألقاه جلالة الملك عبدالله الثاني في افتتاح الدورة العادية الثالثة لمجلس الأمة العشرين مجرد مناسبة دستورية لتحديد أولويات المرحلة أو استعراض عناوين السياسات الوطنية كما جرت العادة في مثل هذه المناسبات بل حمل في مضامينه رسائل تتجاوز حدود الخطاب السياسي التقليدي لتضع الدولة ومؤسساتها ومجتمعها أمام أسئلة جوهرية تتصل بمستقبل الأردن ومنعته الداخلية وقدرته على مواجهة التحديات المتراكمة في محيط إقليمي مضطرب ولعل أبرز ما يستوقف في الخطاب أنه جمع بين التحذير من خطر الإرهاب والتأكيد على وحدة المجتمع والدعوة إلى سيادة القانون ومحاسبة المسؤولين وتحسين معيشة المواطنين في صياغة تبدو وكأنها تضع معادلة متكاملة عنوانها أن حماية الوطن لا تنفصل عن حماية حقوق أبنائه وأن قوة الدولة لا تكتمل إلا بثقة مواطنيها.

لقد جاء التأكيد الملكي على ضرورة التصدي للإرهاب في أعقاب المحاولة الاجرامية الأخيرة التي استهدفت اختبار صلابة الدولة وعزيمة الأردنيين ليعيد التذكير بأن الأمن الوطني ليس قضية عابرة ولا مسؤولية تقع على عاتق الجيش والأجهزة الأمنية وحدها مهما كان دورها أساسياً ومحورياً بل هو مسؤولية وطنية مشتركة تتطلب يقظة المجتمع وتماسكه ووعيه وقدرته على رفض كل فكر متطرف يسعى إلى اختراق النسيج الأردني أو العبث بوحدته وان استحضار شهداء الكرك في هذا السياق لم يكن مجرد تحية لدمائهم وتضحياتهم فقط بل تذكيراً بأن الإرهاب حين يضرب لا يستهدف أفراداً ومؤسسات فحسب وإنما يحاول النيل من شعور المجتمع بالأمان وزعزعة الثقة بين مكوناته وإشاعة الخوف والانقسام في اركانه ولذلك فإن الرد الحقيقي عليه لا يكون بالإجراءات الأمنية وحدها بل أيضاً بتعزيز الوعي الوطني وتجفيف منابع التطرف وحماية الشباب من الأفكار التي تستغل الإحباط والتهميش وتوظف الدين أو الشعارات لخدمة العنف والتخريب.

من هنا تبرز أهمية الرهان الملكي على وعي الأردنيين وحكمتهم وتماسكهم حين تشتد المحن لان الأردن الذي واجه عبر تاريخه ظروفاً إقليمية وأمنية واقتصادية معقدة يمتلك في وحدته الوطنية أحد أهم عناصر استقراره غير أن هذه الوحدة لا ينبغي أن تتحول إلى مجرد شعار يرفع عند الأزمات ثم تتراجع أهميته في الحياة اليومية بل يجب أن تتجسد في المساواة بين المواطنين واحترام حقوقهم وتكافؤ الفرص بينهم بعيداً عن أي اعتبارات جهوية أو فئوية أو اجتماعية خاصة وان اللحمة الوطنية لا تُبنى بالامنيات وحدها وإنما بالإنصاف والشعور المشترك بأن الدولة تتسع لجميع أبنائها وأن المواطنة هي الرابط الذي يجمعهم والحقوق والواجبات هي المعيار الذي ينظم علاقتهم بها.

لعل أكثر رسائل خطاب العرش اتصالاً بحياة الأردنيين اليومية تلك المتعلقة بسيادة القانون والوظيفة العامة حين أكد جلالة الملك أنه لا حصانة لمن يسيء استخدام منصبه وأن القانون لا يعرف اسماً ولا منصباً ولا نفوذاً وهي رسالة تفتح الباب أمام استحقاق وطني ومؤسسي بالغ الأهمية يتمثل في الانتقال من التأكيد على مبدأ المساواة أمام القانون إلى ترجمته في الممارسة الفعلية لان المواطن لا يريد أن يسمع فقط أن القانون فوق الجميع بل يريد أن يرى ذلك في حياته عندما يراجع مؤسسة حكومية أو يطالب بحق أو يواجه تقصيراً أو يتعرض لظلم كما أن الوظيفة العامة ليست امتيازاً يمنح صاحبها سلطة على الناس بل أمانة تضعه في خدمتهم وتجعله مسؤولاً أمامهم وأمام القانون ولا يمكن بناء الثقة بالمؤسسات ما دامت الواسطة والمحسوبية واستغلال النفوذ تشكل في نظر المواطنين عوائق أمام العدالة وتكافؤ الفرص.

الحقيقة الساطعة التي ينبغي التوقف عندها وهي أن هيبة الدولة لا تتعارض مع المساءلة بل تتعزز بها وأن احترام المؤسسات لا يعني تحصين المسؤولين من النقد أو إعفاء أصحاب القرار من المحاسبة والدولة القوية ليست التي تخلو من الأخطاء وإنما التي تمتلك الشجاعة المؤسسية لاكتشافها وتصحيحها ومحاسبة المسؤول عنها دون انتقائية ولا يجوز أن تتحول المطالبة بالإصلاح إلى موضع ريبة أو أن يُخلط بين النقد المسؤول ومحاولات الإساءة إلى الوطن وقد الملك أكد نفسه أن التداول بالشأن العام حق مشروع وأن صدر الوطن رحب أمام كل رأي مخلص ومسؤول وهذه رسالة ينبغي أن تجد طريقها إلى الممارسة العملية في مختلف مؤسسات الدولة حتى يشعر المواطن أن صوته مسموع وأن سؤاله مشروع وأن حقه في معرفة ما يجري ومساءلة المسؤولين جزء من مواطنته وليس عبئاً عليها.

أما ما يتعلق بمجلس الأمة فيجب ان يقف أمام مسؤولية لا تقل أهمية عن مضمون الخطاب نفسه بالتأكيد على دوره في الرقابة والتشريع وحراسة المصلحة العامة وهو يضع أداءه تحت نظر المواطنين الذين لا يقيسون العمل البرلماني بعدد الجلسات أو البيانات أو التصريحات بل بما يحققه من تشريعات تنصفهم ورقابة تكشف الخلل ومساءلة تتابع أداء الحكومة وتدفع نحو تصحيح المسار ومن الضروري ألا تنتهي العلاقة بين النواب والحكومة عند حدود المجاملات السياسية أو تبادل الثناء بل أن تقوم على ممارسة المسؤولية الدستورية بكل استقلالية ووضوح لان البرلمان الذي لا يستخدم أدواته الرقابية بفاعلية يفقد جزءاً من دوره الطبيعي كما أن الحكومة التي لا تقدم إجابات واضحة عن قراراتها وإنجازاتها تضعف قدرتها على بناء الثقة العامة.

على الجانب الاقتصادي والمعيشي تبدو الرسالة الملكية أكثر ارتباطاً بما ينتظره الأردنيون من نتائج ملموسة خاصة وان التحديث الاقتصادي والمشاريع الكبرى لا ينبغي أن يقاسا بحجم الإعلانات أو قيمة الاستثمارات المعلنة وحدها وإنما بقدرتهما على خلق فرص العمل وتحسين الدخول وتطوير التعليم والخدمات الصحية وتخفيف الأعباء عن الأسر لان المواطن الذي يواجه ارتفاع تكاليف المعيشة ويبحث أبناؤه عن فرصة عمل لا تكفيه الخطط المعلنة مهما كانت طموحة ما لم تتحول إلى نتائج يلمسها في حياته وهذا يفرض على الحكومة تحديد أولويات واضحة ومواعيد تنفيذ معلنة ومؤشرات قابلة للقياس ومحاسبة دورية على ما تحقق وما تعثر وبيان أسباب ذلك.

ملف المياه على خطورته يستحق وقفة خاصة بعدما شدد الملك على أولوية الأمن المائي وكرر التأكيد عليه بوضوح لافت سيما وان المياه في الأردن لم تعد مجرد خدمة أساسية بل أصبحت قضية أمن وطني واستدامة اقتصادية واجتماعية وحق للأجيال القادمة ولذلك فإن المشاريع المائية الكبرى والخطط الاستباقية وحماية الموارد وتقليل الفاقد وتحسين كفاءة الإدارة تحتاج إلى متابعة حكومية ورقابة برلمانية مستمرة بعيداً عن الحلول المؤقتة التي تؤجل المشكلة ولا تعالج جذورها.

في المستوى العربي والإقليمي حمل الخطاب تأكيداً جديداً على ثبات الموقف الأردني من القضية الفلسطينية ورفض استمرار الانتهاكات الإسرائيلية والتوسع والاعتداء على غزة والضفة الغربية والقدس وهذا الموقف يرتبط بالأمن الوطني الأردني كما يرتبط بالمسؤولية العربية والإنسانية وبالوصاية الهاشمية على المقدسات الإسلامية والمسيحية في القدس لان القضية الفلسطينية ليست ملفاً خارجياً منفصلاً عن الأردن بل قضية تتصل بأمن المنطقة واستقرارها وحقوق شعبها في الحرية وتقرير المصير وإقامة دولته المستقلة ومن هنا فإن قوة الأردن الداخلية ومتانة مؤسساته وقدرته على حماية مصالحه تشكل عناصر أساسية في استمرار دوره السياسي والدبلوماسي تجاه فلسطين وقضايا الأمة.

داخليا الاختبار الحقيقي لخطاب العرش يبدأ الآن وليس عند انتهاء مراسم افتتاح الدورة البرلمانية وعليه فان الحكومة مطالبة بتحويل التوجيهات الملكية إلى برامج تنفيذية واضحة ومواعيد محددة كما ان البرلمان مطالب بممارسة رقابته دون تردد والمساءلة دون انتقائية وكذلك الإدارة العامة مطالبة بأن تجعل خدمة المواطن معياراً لأدائها والمجتمع الاردني بكامله مطالب بالحفاظ على وحدته ووعيه ورفض كل خطاب يحرض على الكراهية أو يستثمر في الانقسام أما المواطن الفرد فليس مطلوباً منه أن يكون متلقياً للقرارات فقط بل شريكاً في الشأن العام وصاحب حق في السؤال والنقد والمشاركة .

ولا مر الاهم ان ترجمة هذه القوة الوطنية يحتاج إلى عدالة يشعر بها المواطن وثقة تتجدد بينه وبين مؤسساته وفرص تفتح أمام شبابه وحقوق لا تضيع أمام النفوذ أو الواسطة والمحسوبية لان الأمن بلا عدالة يظل ناقصاً والإصلاح بلا مساءلة يفقد مضمونه والوحدة الوطنية بلا إنصاف تصبح شعاراً لا يحمي المجتمع عند الشدائد.

ختاما : ان الرسالة الأوضح التي ينبغي أن تخرج بها الدولة ومؤسساتها من خطاب العرش السامي هي أن حماية الأردن ليست مهمة الأجهزة الأمنية وحدها ولا مسؤولية الحكومة والبرلمان منفردين بل عقد وطني متكامل يتقدم فيه الجميع إلى واجباتهم دون استثناء فلا يكفي أن نطالب المواطن بالولاء والانتماء إذا لم يجد حقوقه مصونة وكرامته محفوظة وصوته مسموعاً ولا يكفي أن نرفع شعار سيادة القانون إذا لم يخضع له صاحب النفوذ اولا قبل المواطن العادي لإن الأوطان لا تحصنها الشعارات ولا تصونها المجاملات وإنما تحميها العدالة والإنجاز والمحاسبة والوحدة الواعية ومن هنا فإن الوفاء للأردن وقيادته وشهدائه وجيشه وأجهزته الأمنية لا يكون بالتصفيق للخطاب ثم طي صفحته بل بجعل كل كلمة وردت فيه مسؤولية يومية وكل توجيه تحدث به جلالته التزاماً قابلاً للتنفيذ وكل حق للمواطن أمانة لا يجوز التفريط بها ليبقى الأردن الذي نريد وطنا آمنا بقوة مؤسساته وعزيزا وكرامة مواطنيه وتماسك دولته وقدرته على مواجهة المستقبل بثقة أبنائه.

حفظ الله الأردن عزيزاً آمناً مستقراً وحفظ جلالة الملك عبدالله الثاني ابن الحسين المعظم وسمو ولي عهده الأمين الأمير الحسين بن عبدالله الثاني.

كاتب وباحث متخصص في الشؤون السياسية
mahdimubarak@gmail.com

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.