من مجزرة مدرسة ميناب إلى مذبحة عرس سيريك.. لماذا تفشل صدمات الدم الأمريكية في كسر إرادة إيران ؟


مهدي مبارك عبدالله

في مساء الثلاثاء الأول من سبتمبر الجاري كان نحو 350 شخصًا قد اجتمعوا في منطقة كوهستاك التابعة لمقاطعة سيريك على الساحل الشرقي لمحافظة هرمزجان الإيرانية للاحتفال بزفاف مريم ملاهي وضياء الدين خوشريش حين تحولت لحظات الفرح فجأة إلى مأساة دموية إثر ضربة صاروخية أمريكية مباشرة وجهت للمنزل الذي كانت تتجمع فيه النساء والأطفال بذريعة استهداف رادارات وأبراج اتصالات قريبة من مضيق هرمز الاستراتيجي ما ادى الى سقوط شهداء وعشرات الجرحى تناثرت أشلائهم وسالت دمائهم في اركان المكان الذي كان يفترض أن يكون مساحة للفرح والحياة .

الجريمة المروعة في سيريك لم تكن في الواقع إلا حلقة جديدة في سلسلة طويلة من الاستهداف الامريكي الممنهج للمدنيين والبنى التحتية الإيرانية ولا يمكن قراءتها خارج سياق استراتيجية الصدمة والترويع الأمريكية التي تهدف بوضوح إلى الضغط على الحاضنة الشعبية وتفتيت صلابة الجبهة الداخلية الإيرانية من خلال سلاح الدم المراق والأشلاء المتناثرة وهي تعيد إلى الأذهان مشهد الدمار الرهيب الذي لحق بمدرسة الشجرة الطيبة الابتدائية للبنات في مدينة ميناب المجاورة تلك المجزرة التي ارتكبتها صواريخ توماهوك الأمريكية بدقة متناهية التي حولت فصول الدراسة إلى ركام مغبر وشظايا متناثرة ستظل شاهدة على وحشية العدوان وتحويل المدارس والأعراس وأماكن التجمعات الآمنة إلى ساحات مباشرة للموت .

الحقيقة المؤكدة انه حين تصبح دماء الأطفال والنساء وقوداً لآلة الضغط السياسي الامريكي والغربي فإن صمت المجتمع الدولي لا يعود مجرد تواطؤ بل يغدو شريكاً كاملاً في صياغة فصول الجريمة التي ترتكبها الولايات المتحدة الأمريكية بدم بارد وهي تزعم زوراً وبهتاناً سعيها لنشر قيم الحرية والديمقراطية فوق أشلاء الأبرياء حيث تكشف المجازر الأخيرة في مدينتي ميناب وسيريك الإيرانيتين عن الوجه الكالح والوحشي للإمبراطورية الأمريكية التي لم تجد حرجاً في تحويل المدارس الابتدائية واهازيج الفرح في حفلات الزفاف إلى ساحات مفتوحة لسفك الدماء والتنكيل والترويع دون أدنى وازع أخلاقي أو رادع قيمي أو التزام بالقوانين والمواثيق الدولية التي تبدو دائماً وكأنها صُممت فقط لحماية الجلاد الامريكي والصهيوني ومعاقبة الضحية الفلسطيني واللبناني واليمني والايراني في هذا العالم المنافق والمطبوع بشريعة الغاب النكراء .

ما بين تدمير مدرسة ميناب وقصف عرس كوهستاك في سيريك تظهر مقارنة واضحة تعكس تحولاً جذرياً في طبيعة السلوك العسكري الأمريكي الذي بات يتخبط في رمال الخليج المتحركة ففي مجزرة ميناب كان الاستهداف موجهاً لجيل المستقبل وبراءة الطفولة لضرب الروح المعنوية في مقتل وصناعة صدمة نفسية جماعية تشل قدرة المجتمع على الصمود والتحمل أما في مذبحة عرس سيريك فقد امتدت يد الغدر لتستهدف نسيج الحياة الاجتماعية الفرحة واللمة الأسرية في أقدس لحظات الإنسانية بهدف تحويل المناسبات الاجتماعية إلى مآتم ونشر الخوف والرعب في قلوب السكان المقيمين على حافة أهم الممرات المائية في العالم وان هذا التناقض الصارخ بين قصف محراب العلم واستهداف منصة الفرح يكشف عن وجه إرهابي واحد لسياسة البنتاغون التي لم تعد تفرق بين عسكري ومدني بل أصبحت تعتمد على الذكاء الاصطناعي الأعمى والبيانات الاستخباراتية المضللة لتبرير مجازرها المتكررة ضد الابرياء العزل .

على الصعيد السياسي والتحليلي العميق نجد أن الاستراتيجية الأمريكية الراهنة تعيش حالة من الإفلاس الاستراتيجي الواضح بعد عجزها عن تحقيق أي حسم عسكري أو فرض شروط استسلام على طهران عبر الحصار الاقتصادي الطويل وهذا العجز الواضح دفع صانع القرار في واشنطن إلى التعامل بلغة الدم واستهداف المدنيين كوسيلة أخيرة للضغط على مركز القرار السياسي الإيراني ومحاولة دفع البلاد نحو الفوضى والاضطراب ولكن القراءة الموضوعية لطبيعة النظام السياسي الإيراني وتركيبته العقائدية والشعبية تؤكد استعصاء هذا النظام على السقوط أو التراجع تحت تأثير الضربات الخارجية والشعب الإيراني رغم كل المعاناة الاقتصادية القاسية الناتجة عن العقوبات الجائرة ورغم الانقسامات الطبيعية في الرؤى السياسية لا زال يمتلك وعياً حاداً يجعله يميز بدقة بين الخلافات الداخلية وبين التهديد الوجودي الذي يمثله العدوان الخارجي وبالتالي فإن المراهنة الأمريكية على تحريك الشارع ضد النظام عبر بوابة المجازر هي مراهنة خاسرة وساقطة سلفاً في اختبارات الواقع الايراني .

تخطئ الإدارة الأمريكية وجنرالات واشنطن إذا اعتقدوا أن صدمات الدم والترويع وقتل الأطفال والنساء كفيلة بكسر إرادة الشعب الإيراني أو دفعه نحو التراجع والملل لان التاريخ القريب والبعيد اثبت مرارا أن هذا الشعب يمتلك ثقافة مقاومة راسخة وعقيدة صمود صلبة تتغذى على دماء الشهداء وتتحول مع كل قطرة دم تسيل إلى طاقة تحد كبرى تزيد من الالتفاف حول القيادة وترسخ خيار المواجهة والردع المشرف والواقع الميداني يبرهن أن هذه الاستهدافات الوحشية لم تفلح يوماً في تحقيق أهدافها السياسية بل على العكس تماماً تحولت إلى وقود يشعل جبهات المقاومة ويزيد من إصرار القوات المسلحة الإيرانية على مواصلة تطوير قدراتها الصاروخية والدفاعية لحماية السيادة الوطنية ومثلما تجاوزت إيران محطات أشد قسوة وحصاراً أكبر في العقود الماضية فإنها ستخرج من أتون هذه المجازر الحالية أكثر تلاحماً وقوة وعزيمة واصرارا على إفشال المخطط الأمريكي الهادف لجر البلاد إلى مربع الاستسلام والخنوع السياسي الذي ترفضه الأنفة الإيرانية بكل شموخ وعزة جملة وتفصيلاً .

رغم فظاعة وبشاعة المشاهد الاجرامية المروعة والموثقة بالأدلة الدامغة خرج الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ( دراكولا العصر الحديث ) ليعلن بصلف منقطع النظير وببرود يثير الغثيان أن هذا الصراع الدامي والمجازر المرتكبة ليست سوى نزاع بسيط أو مجرد تفاصيل ثانوية لا تستحق الالتفات اليها في تأكيد صارخ على أن العقيدة السياسية الأمريكية لا تقيم أي وزن لأرواح الشعوب غير الغربية ولا ترى في مآسي الأمم إلا مجرد أرقام وتفاصيل هامشية في كتاب هيمنتها الإمبريالية مما يسقط ورقة التوت الأخيرة عن شعارات حقوق الإنسان التي يتشدق بها البيت الأبيض في محافله الدولية المنافقة التي صمتت عمدا عن مجزرتي ميناب وسيريك صمت القبور .

من الناحية الجنائية الدولية إن قصف مدرسة تلميذات وحفل زفاف بقنابل ثقيلة موجهة يمثل جريمة حرب مكتملة الأركان وفقاً لاتفاقيات جنيف ونظام روما الأساسي لا يمكن تبريرها بالضرورة العسكرية أو الخطأ غير المقصود مما يستوجب تحركاً قانونياً عاجلاً لتوثيق هذه المجازر قانونياً وملاحقة القادة العسكريين والسياسيين الأمريكيين أمام المحاكم الدولية كجناة وقتلة تلطخت أيديهم بدماء تلميذات ميناب ومعازيم سيريك لضمان عدم الإفلات من العقاب ولتعرية الطبيعة الإجرامية الخفية للاستهداف الأمريكي المباشر للحياة المدنية الإيرانية أمام الرأي العام العالمي .

في ذات السياق لا يمكن تبرئة الأمم المتحدة من مسؤوليتها ولا سيما مجلس الأمن والأمين العام للأمم المتحدة في الاضطلاع بواجباتهم وفقاً لميثاق المنظمة واستمرار صمتها وتقاعسها إزاء الانتهاكات المتواصلة لمبادئ وقواعد الميثاق الأساسية ولا سيما البند 4 من المادة 2 من قبل عضو دائم في مجلس الأمن وهو ما يزيد من فقدان مصداقية ومكانة المنظمة فضلا عن التهديد المتفاقم للسلم والأمن الدوليين .

بعد التدقيق في الفاتورة البشرية الباهظة لهاتين الجريمتين نجد بوضوح لا لبس فيه تحقق نية القتل العمد والتعطش الأمريكي للدماء حيث أسفرت الغارة الغادرة على مدرسة شجرة طيبة في ميناب عن ارتقاء اثنتين وعشرين تلميذة في عمر الزهور وإصابة أكثر من أربعين أخرى بجروح بليغة وبتر في الأطراف بينما خلفت قنبلة الخمسمائة رطل التي دمرت منزل الزفاف في سيريك ثمانية وعشرين شهيداً من المدعوين من النساء والأطفال إضافة إلى ما يقارب الخمسين جريحاً ظلوا يصارعون الموت في المستشفيات مما يرفع حصيلة الضحايا المدنيين في هذين الاستهدافين فقط إلى لغرفة العمليات الأمريكية التي اختارت بنك أهدافها من بين صفوف المواطنين الأكثر ضعفاً وبراءة في المجتمع الإيراني ليكون الدم المسفوك شاهداً حياً على إرهاب الدولة المنظم الذي تمارسه واشنطن بلا رادع او حياء .

على الجانب التقني والعسكري إن استمرار التذرع بالأخطاء الهامشية أو قراءة الإحداثيات المغلوطة في ترسانة موجهة بالذكاء الاصطناعي والمسح السيبراني الفائق يعتبر استخفافاً بالعقول وإدانة مضاعفة لجيش الاحتلال الأمريكي الذي يمتلك خرائط تفصيلية محدثة على مدار الساعة لكل شبر في المدن الإيرانية وبالتالي فإن إرسال الأوامر بقصف مدرسة بنات في ذروة يومها الدراسي واستهداف عرس مدني يعج بالحركة والاتصالات يبرهن على أن القرار اتُخذ في أعلى المستويات العسكرية ليكون مجزرة متعمدة ومدروسة تهدف لإيقاع صدمة أمنية ونفسية مروعة متجاوزة كل الخطوط الحمر للأعراف القتالية وبما يثبت أن التكنولوجيا الأمريكية الفائقة لم تُصنع لتجنب المدنيين كما يزعمون بل لرفع كفاءة الإبادة الجماعية وتجويد أساليب القتل السريع لإخضاع الدول العاصية على الهيمنة الغربية.

الثابت عمليا أن الحسابات الأمريكية الغبية سقطت مجدداً في مستنقع سوء تقدير الطبيعة السيكولوجية للشعب الإيراني الذي يزداد تلاحماً وعناداً في كل المفاصل التاريخية الكبرى حيث تحولت مآتم دماء تلميذات ميناب وشهداء عرس سيريك إلى منصات غضب عارمة ومسيرات شعبية كبرى وحدت الشارع بمختلف أطيافه خلف راية الدولة وضرورة الرد والقصاص العادل مما أفشل المخطط التدميري لواشنطن في مهده وحول دماء الأبرياء النازفة من سلاح ضغط لابتزاز الحكومة الإيرانية إلى جدار صد منيع وعقيدة وطنية متجذرة تجعل من أي حديث عن التقارب مع الجلاد الأمريكي ضرباً من الخيانة لدماء الشهداء الصغار وتفشل محاولات تحريض الحاضنة الشعبية ضد قيادتها وتثبت للبيت الأبيض أن صواريخ الغدر لن تحصد سوى العاصفة.

ختاما : ان القراءة العميقة لهذه التطورات تؤكد أن هذه العمليات الإجرامية الجبانة والضربات الغادرة لن تفت في عضد الدولة والشعب بل ستزيد من تجذر روح المقاومة والصمود في مواجهة الغطرسة الأمريكية وإن دماء أطفال ميناب وضحايا عرس سيريك لن تكون إلا وثيقة إدانة تاريخية تضاف إلى سجل الجرائم الأمريكية الأسود وتتحول إلى وقود متجدد لرفض التبعية والاستسلام والتمسك بالقرار المستقل كما ستبقى طهران رغم شراسة العدوان حصناً منيعاً للمقاومة وجداراً صلباً تتكسر عليه كل المؤامرات والتحالفات العدوانية الغربية حتى يعلم الطغاة في واشنطن أن دماء الأبرياء ليست رخيصة وأن زمن الاستقواء والهيمنة لفرض الاملاءات و الشروط قد ولى إلى غير رجعة وأن إرادة الشعوب الحرة ستبقى اصلب بكثير من جبروت الصواريخ الأمريكية وذكائها الاصطناعي القاتل .

كاتب وباحث مختص في الشؤون السياسية
mahdimubarak@gmail.com

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.