هل تتحول السجون المكتظة إلى بيئة لصناعة الإجرام؟

محامي محمد صدقي الغرايبة
يُشكل التساؤل حول مدى تحول السجون المكتظة إلى بيئة حاضنة للجريمة المحور الأهم في نقاشات السياسة الجنائية الحديثة إذ ينقلنا من مجرد رصد الأعداد داخل مراكز الاحتجاز إلى تقييم نوعية المخرجات التي تنتجها المنظومة العقابية.
فالسجن في فلسفته القانونية والاجتماعية المعاصرة لم يعد مجرد أداة لسلب الحرية وقهر الجسد… بل أضحى مرفقاً توجيهياً مناطاً بوظيفة إصلاحية وتأهيلية تسعى لإعادة دمج المحكوم عليه في مجتمعه كعنصر منتج وبصورة تحد من احتمالات ارتكابه لجريمة جديدة.
وما يلاحظ أن أداء هذه الوظيفة اصبح يواجه تحديات جسيمة عندما تتجاوز أعداد النزلاء الطاقة الاستيعابية للمراكز بدرجة كبيرة جدا قد تتجاوز ضعفي الطاقة الاستيعابية لهذه المراكز الأمر الذي يستدعي دق ناقوس الخطر.
ولا يعني هذا الواقع أن السجون تنتج الجريمة حتماً بل ان ذلك يعني أن ظروف الاكتظاظ تخلق عوامل تزيد من مخاطر التدهور النفسي والاجتماعي وتحد من فرص الإصلاح والتأهيل وترفع من احتمالات الاختلاط بين أشخاص تختلف تجاربهم الإجرامية واحتياجاتهم الإصلاحية لأن سياسة الإصلاح والتأهيل الناجعة تعتمد اساسا على نبدأ إفرادية المعالجة بحيث تمكن الاخصائيين من وضع برامج تمكنهم من معالجة كل حالةً او الحالات المتشابهة وفق برنامج اصلاحي وتأهيلي متوافق برامجها وزمنيا مع تلك الحالات .
وتتبلور هذه المخاطر في عدة أبعاد أولها اختلال آليات التصنيف والعزل الفعّال حيث يفرض الاكتظاظ اختلاط الموقوفين احتياطياً أو أصحاب الجنح البسيطة والمخالفات المالية مع محكومين عتاة اعتادوا السلوك الجرمي … مما يتيح بيئة مثالية لتبادل الخبرات الجرمية أو ما يُعرف بـ “العدوى الجرمية”.
أما البعد الثاني فيتمثل في تعطيل برامج الإصلاح والتأهيل … إذ تتطلب البرامج التعليمية والتدريب المهني والدعم النفسي مساحات مناسبة وموارد بشرية مؤهلة.
وعندما يتفاقم التدفق البشري إلى مراكز الإصلاح والتأهيل تضطر إدارات هذه المراكز إلى توجيه جل طاقتها وميزانياتها نحو إدارة الأزمات اليومية وتلبية الاحتياجات اللوجستية والمتطلبات الأساسية من طعام وحراسة ورعاية طبية طارئة على حساب الأنشطة والبرامج التأهيلية ليخرج الشخص دون مهارات حقيقية تعينه على مواجهة الحياة، بل يخرج مثقلاً بوفرة من “الوصمة الاجتماعية” وهشاشة اقتصادية ونفسية ترفع من مؤشرات “العود الجرمي”.
إن مواجهة الجريمة لا تتحقق بزيادة أعداد الموقوفين بل بمنظومة متكاملة تجمع بين الوقاية والتحقيق الفعال والمحاكمة العادلة والتأهيل. ومما لا شك فيه ان نجاح السياسة الجزائية لا يقاس أبداً بعدد من يدخلون السجون بل بقدرتها على حماية المجتمع وتقليل العائدين إليها.
وبالرجوع إلى التشريع الأردنـي فإننا نجد بأنه يمتلك بالفعل أدوات وتدابير ذكية قادرة على تخفيف الاعتماد على سلب الحرية دون المساس بهيبة الردع ففي مرحلة ما قبل الحكم، يبرز دور تفعيل الكفالات والتعهدات وحصر التوقيف (القضائي والإداري) في أضيق الحدود وعبر تسبيب فردي صارم يثبت ضرورته الفعليّة.
أما في مرحلة ما بعد الحكم فقد أتاح المشرع في المدة (25 مكرر من قانون العقوبات ) التوسع في العقوبات البديلة كالخدمة المجتمعية والبرامج التأهيلية والمراقبة الإلكترونية عبر “السوار الإلكتروني”.
مما سبق بمكن القول بأن التوسع في البدائل القانونية وتضييق خناق التوقيف الاحتياطي ليس تساهلاً مع الجريمة بل هو تدبير وقائي ذكي يحمي المجتمع من مخرجات سجون قد تتحول إن أُهمل، إلى معاهد لتخريج المجرمين بدلاً من تقويمهم … فحماية الأمن المجتمعي والعدالة تبدأ دائماً من صيانة وفاعلية الفلسفة العقابية وحسن تطبيقها.
تأتي هذه المقالة من وحي الواقع العملي في ادارة مراكز الإصلاح والتأهيل لنحو عقد ونصف من الزمان كان الجزء الأكبر منها في مجال التطوير والتدريب وفي مجال الدراسات المتعلقة بعمل السجون في ضوء التشريع الوطني والمواثيق الدولية
دمتم بخير

