روافد السدود والأنهار بين تشتّت المسؤولية وغياب الإدارة المتكاملة

محامي محمد صدقي الغرايبة
لا يمكن الحديث عن إدارة الموارد المائية بوصفها قضية هندسية أو فنية محضة، فالماء لم يعد مجرد عنصر طبيعي، بل أصبح أحد أهم مرتكزات الأمن الوطني والاقتصادي والبيئي. وفي هذا السياق، تبرز أهمية الاهتمام بمجاري الأودية وبروافد السدود والأنهار وتنظيفها وصيانتها بشكل دوري باعتبارها حلقة أساسية غالباً ما يتم إغفالها، رغم كونها تمثل البداية الفعلية لأي سياسة مائية ناجحة. فالسدود، مهما بلغت كلفتها أو تطورت تقنياتها، تفقد جدواها حين تُترك روافدها نهباً للإهمال، والتعديات، والتلوث.
تشكل الروافد المائية والقنوات والأودية الطبيعية التي تنقل المياه السطحية ومياه الأمطار والينابيع ومن مناطق التجميع إلى الأنهار والسدود، شريان حياة بالنسبة لها وهي تؤدي وظيفة مزدوجة: فهي من جهة ترفد المخزون المائي، ومن جهة أخرى تعمل كمرشّح طبيعي يحد من انتقال الطمي والمخلفات والملوثات. وحين تُهمل هذه الروافد، تتحول من عنصر دعم إلى مصدر خطر، فتُغلق مجاري السيول، وتزداد نسب الترسيب داخل السدود، وتتلوث المياه المخزنة، الأمر الذي يرفع كلفة المعالجة ويقصر العمر الافتراضي للمنشآت المائية.
إن الإشكالية الكبرى لا تكمن في غياب المعرفة بأهمية الروافد، بل في غياب الإدارة المتكاملة لها. ففي الواقع العملي، تتوزع المسؤولية عنها بين جهات حكومية متعددة، لكل منها اختصاص جزئي، دون وجود مظلة تنسيقية فعالة. فوزارة المياه تُعنى بالسدود كمرافق استراتيجية، بينما تتداخل صلاحيات البلديات في مجاري السيول داخل التنظيمات، وتضطلع جهات أخرى بملفات البيئة والزراعة والغطاء النباتي. هذا التعدد، الذي يفترض به أن يكون عامل قوة، يتحول في كثير من الأحيان إلى سبب مباشر للشلل الإداري، حيث تتقاذف الجهات المسؤوليات، وتُرحّل المشكلات من موسم إلى آخر دون حلول جذرية.
ويُضاف إلى ذلك أن الصيانة الدورية للروافد لا تُعامل باعتبارها أولوية وطنية، بل تُستدعى غالباً كرد فعل بعد حدوث الفيضانات أو امتلاء السدود بالطمي أو ظهور أزمات تلوث. هذا النهج القائم على المعالجة اللاحقة، لا الوقاية المسبقة، يكرّس ثقافة إدارية قصيرة النظر، تتجاهل أن كلفة التنظيف المنتظم أقل بكثير من كلفة إعادة التأهيل أو معالجة الكوارث. فكل متر مكعب من الطمي يُترك ليتراكم داخل السد هو خسارة صامتة من السعة التخزينية، وكل رافد مسدود هو خطر مؤجل ينتظر أول منخفض جوي قوي.
ولا يمكن فصل البعد القانوني عن هذه الإشكالية، إذ إن غياب نصوص واضحة تُحدد المسؤولية المباشرة عن تنظيف وصيانة الروافد يفتح الباب أمام الاجتهادات، ويضعف أدوات المساءلة. فحين تقع الأضرار، يصبح من الصعب تحديد الجهة المقصّرة، ويتحول التقصير المؤسسي إلى حالة عامة لا يُحاسَب عليها أحد. وهذا الواقع يُفرغ مفهوم الإدارة الرشيدة من مضمونه، ويقوّض الثقة العامة بقدرة الدولة على حماية مواردها الطبيعية.
ومن جهة أخرى، لا تقتصر المسؤولية على الجهات الرسمية وحدها. فالتعديات على مجاري الأودية، ورمي النفايات ومخلفات البناء، واستغلال الروافد لأغراض غير مشروعة، كلها ممارسات مجتمعية ساهمت في تعميق الأزمة. غير أن المسؤولية المجتمعية لا يمكن أن تنهض في فراغ، بل تحتاج إلى تشريعات صارمة تُطبق بعدالة، وإلى برامج توعية مستمرة تربط بين السلوك الفردي والأثر العام على الأمن المائي والبيئي.
إن التعامل مع روافد السدود والأنهار بوصفها جزءاً لا يتجزأ من منظومة إدارة المياه يفرض تبني مقاربة شمولية، تقوم على توحيد المرجعية، وتكامل الأدوار، وتخطيط الصيانة على أسس علمية مستدامة. فالروافد ليست مجرد قنوات عابرة للمياه، بل هي استثمار طبيعي طويل الأمد، وحمايتها تعني حماية السدود ذاتها، وضمان استدامة مورد مائي يتعرض لضغوط متزايدة بفعل التغير المناخي والنمو السكاني.
وفي الخلاصة، فإن السؤال عن الجهة المسؤولة عن الاهتمام بروافد السدود والأنهار لا ينبغي أن يُطرح باعتباره سؤالاً إجرائياً، بل بوصفه سؤالاً سيادياً يتعلق بكيفية إدارة الدولة لمورد استراتيجي نادر. فالإهمال هنا ليس خللاً فنياً عابراً، بل قراراً ضمنياً بدفع أثمان مستقبلية باهظة. وبين تشتت المسؤولية وغياب الإدارة المتكاملة، تضيع المياه قبل أن تصل إلى السدود، ويضيع معها أحد أهم عناصر الاستقرار الوطني

