والوطن…… عشيرتنا الكبرى

الدكتور عبد المطلب القضاه
تُعدّ العشيرة في مجتمعاتنا العربية والاسلامية الركيزة الأساسية التي حفظت السلم الاجتماعي، وبنت جسور التكافل، وصانت القيم على مرّ العصور. إن العشائرية ليست مجرد انتساب لنسب أو جغرافيا، بل هي مدرسة في المروءة، النخوة، وإغاثة الملهوف. وحين تلتقي هذه القيم الأصيلة مع تعاليم الدين الإسلامي الحنيف، تتحول العشيرة من إطار اجتماعي ضيق إلى رسالة سلام وخارطة طريق لبناء مجتمع تلاحمي متين.
إن القوة الحقيقية لأي عشيرة لا تُقاس بعدد أبنائها، ولا بانتشارهم في مؤسسات الدولة، ولا بما تمتلكه من نفوذ ومكانة؛ فالقوة الكامنة والجاه الحقيقي يكمنان في التواضع، العدل، ونصره الحق. إن تغوّل عشيرة على أخرى بحكم الكثرة أو الموقع هو انحراف عن جوهر العشائرية وتعدٍّ على المفهوم الأصيل للشهامة. فالعشيرة الكبيرة مجبورة باللطف والحكمة، ومطالبة بأن تكون سياجاً حامياً للعشائر الأخرى، لا ظهيراً للاستقواء أو الهيمنة.
وقد وضع الإسلام القواعد الجلية التي تنظم هذه العلاقات وتصونها من آفات الفخر والتكالب؛ حيث جاء الخطاب الإلهي واضحاً حاسماً: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَىٰ وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا ۚ إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾. فالتعارف والتآلف هما الغاية من وجود القبائل والعشائر، لا التفاخر والتفاضل بالنسَبِ أو العدد. كما أكد النبي صلى الله عليه وسلم هذا المعنى بقوله: “لا فضْلَ لِعَرَبِيٍّ على عَجَمِيٍّ ولا لِعَجَمِيٍّ على عَرَبِيٍّ ولا
لأَحْمَرَ على أسْوَدَ ولا لِأَسْوَدَ على أحْمَرَ إلَّا بالتَّقْوَى”.
Writing
ومن هنا، لا بد من التمييز بين العشيرة بوصفها قيمة اجتماعية أصيلة تقوم على التكافل والإصلاح وصون الكرامة، وبين العشائرية الخاطئة التي تقوم على التعصب الأعمى، أو تبرير الخطأ، أو تقديم الولاءات الضيقة على مصلحة الوطن وسيادة القانون. فالعشيرة الحقيقية لا تحمي الظالم، ولا تبرر التجاوز، بل تكون أول من يدعو إلى إحقاق الحق، وإنصاف المظلوم، والاحتكام إلى العدالة، لأن قوة العشيرة تُقاس بتمسكها بالقيم، لا بانتصارها للباطل.
——–
كانت العشائر الأردنية، وما زالت، السند الحقيقي للدولة، والحصن الذي حمى الوطن في الشدائد، والمخزون الأصيل للقيم والمروءة والكرم والشهامة. ولم تُبنَ مكانة أي عشيرة على عدد أفرادها، ولا على قربها من مراكز القرار، بل بقدر ما قدمت للوطن من رجال أوفياء، ومواقف مشرّفة، وإسهامات صادقة في خدمة الأردن.
إن قوة العشائر لا تُقاس بكثرة العدد، ولا بالنفوذ، ولا بالجاه، وإنما تُقاس بقدرتها على حفظ الحقوق، ونصرة المظلوم، وإكرام الجار، واحترام الآخرين، والتنافس في خدمة الوطن لا في التغلب على بعضهم بعضًا.
فما أجمل أن تكون العشيرة قوية، ولكن الأقوى منها أن تكون عادلة. وما أعظم أن تكون ذات مكانة، ولكن الأعظم أن تجعل مكانتها وسيلة للإصلاح، لا أداةً لفرض الهيمنة أو الانتقاص من حقوق الآخرين.
لقد جاء الإسلام ليهدم العصبية الجاهلية، ويؤسس لعصبية الحق والعدل. قال تعالى: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾، وقال رسول الله ﷺ: “ليس منا من دعا إلى عصبية”. فالإسلام لم يلغِ الانتماء للعشيرة، بل هذّبه وجعله قائمًا على الأخلاق، والتكافل، والعدل، والإصلاح.
إن احترام العشائر لبعضها بعضًا هو احترام للوطن نفسه، لأن الأردن لم يقم على عشيرة واحدة، بل قام على تكاتف جميع عشائره وأبنائه، الذين امتزجت دماؤهم دفاعًا عن ترابه، وتوحدت جهودهم في بناء مؤسساته. فلا فضل لعشيرة على أخرى إلا بما تقدمه من خير للوطن والناس.
وليعلم الجميع أن التغوّل على الآخرين، أو التفاخر بالعدد، أو استغلال النفوذ، لا يصنع مجدًا، بل يزرع الفرقة ويهدم الثقة. أما الاحترام المتبادل، والإنصاف، والتواضع، فهي التي تحفظ هيبة العشيرة، وتصون مكانتها في قلوب الناس.
فلنجعل من تعاليم الإسلام خارطة طريق، ومن العدالة ميزانًا، ومن الاحترام المتبادل منهجًا، ومن مصلحة الأردن البوصلة التي لا نحيد عنها. فالعشائر المتآخية تبني وطنًا قويًا، أما العشائر المتنازعة فلا تجني إلا الضعف والانقسام.
حيثُ وضع الإسلام القواعد الجلية التي تنظم هذه العلاقات وتصونها من آفات الفخر والتكالب؛ حيث جاء الخطاب الإلهي واضحاً حاسماً: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَىٰ وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا ۚ إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾. فالتعارف والتآلف هما الغاية من وجود القبائل والعشائر، لا التفاخر والتفاضل بالنسَبِ أو العدد. كما أكد النبي صلى الله عليه وسلم هذا المعنى بقوله: “لا فضْلَ لِعَرَبِيٍّ على عَجَمِيٍّ ولا لِعَجَمِيٍّ على عَرَبِيٍّ ولا
لأَحْمَرَ على أسْوَدَ ولا لِأَسْوَدَ على أحْمَرَ إلَّا بالتَّقْوَى
سيبقى الأردن قويًا ما بقيت عشائره متماسكة، متحابة، متعاونة، تؤمن بأن الوطن أكبر من الجميع، وأن الكرامة لا تكتمل إلا باحترام كرامة الآخرين، وأن الوحدة الوطنية ليست شعارًا يُرفع، بل سلوكًا يُمارس كل يوم.

