يوت العزاء بين أصالة العرف وضرورة المراجعة (قراءة في ثقافة الاصطفاف والتقبيل)


محامي محمد صدقي الغرايبة

تُشكّل بيوت العزاء في المجتمع الأردني مساحةً جامعة تتجلى فيها معاني التضامن والتكافل والوقوف إلى جانب أهل الفقيد. وهي من أبرز مظاهر التراحم الاجتماعي التي حافظت عليها الجماعة بوصفها تعبيراً عملياً عن وحدة النسيج الاجتماعي. غير أن بعض الممارسات التي ترسخت عبر الزمن، وإن انطلقت من نوايا نبيلة، باتت اليوم تستحق وقفة تأمل ومراجعة هادئة، وفي مقدمتها ظاهرة الاصطفاف الطويل لأقارب المتوفى على مداخل المضافات، وما يرتبط بها من إلزامية المصافحة والتقبيل.

إن الاصطفاف بأعداد كبيرة، تضم أحياناً عشرات الأشخاص من ذوي القربى بدرجات متفاوتة، يحوّل لحظة التعزية – التي يفترض أن تكون لحظة مواساة صادقة وخفيفة – إلى مسار إجرائي مرهق. فالمعزّي يجد نفسه مضطراً لمصافحة عدد كبير من الواقفين، كثير منهم لا تربطه بالمتوفى علاقة مباشرة، ما يطيل زمن الوقوف ويضاعف الجهد البدني والنفسي، خصوصاً لكبار السن أو لمن يحضرون أكثر من بيت عزاء في اليوم ذاته. وبدلاً من أن تتجه المشاعر نحو التخفيف عن أهل الفقيد، ينشغل الحاضرون بأداء طقس شكلي قد يفقد مع الوقت معناه الإنساني.

الأصل في التعزية أنها مواساة، وليست استعراض حضور أو تعداد أقارب. فالمقصد الشرعي والاجتماعي منها هو شد أزر أهل المصاب بكلمة طيبة ودعاء صادق، لا المرور الإجباري بسلسلة طويلة من المصافحات. ومن ثم فإن قصر الاستقبال على الأقارب المباشرين – الأبناء، الإخوة، وربما الأعمام أو الأخوال بحسب القرب الفعلي – يحقق الغاية دون إرهاق. أما بقية الحضور من أبناء العشيرة أو الأقارب البعيدين، فيمكنهم الاكتفاء بالجلوس واستقبال المعزين بوقار، أو السلام العام عند الدخول، كما درجت عليه بعض البيئات الشامية حيث يلقى السلام مرة واحدة دون إلزام بمصافحة فردية.

أما مسألة التقبيل، فقد تحولت من تعبير عفوي عن القرب إلى سلوك اجتماعي شبه ملزم، حتى بين من لا تجمعهم علاقة وثيقة. وهذه الممارسة، فضلاً عن كونها مُربكة لكثيرين، تحمل أبعاداً صحية لا يمكن تجاهلها، إذ تسهم في نقل الأمراض التنفسية والموسمية، خاصة في أماكن مغلقة يكثر فيها الازدحام. وقد أثبتت التجارب الحديثة أن كثيراً من أنماط التحية التقليدية يمكن تعديلها دون أن ينتقص ذلك من الاحترام أو المودة. إن إلغاء التقبيل بشكل مطلق في بيوت العزاء لا يُعد خروجاً على العرف بقدر ما هو تطوير له بما يراعي سلامة الناس وراحتهم.

المجتمعات الحية لا تتخلى عن قيمها، لكنها تعيد صياغة أشكال التعبير عنها. فالقيمة هنا هي التعاضد، أما الشكل فمتغير بطبيعته. وإذا كان العرف قد نشأ في زمن كانت فيه التجمعات أقل كثافة، والاعتبارات الصحية مختلفة، فإن من الحكمة اليوم إعادة النظر في بعض التفاصيل التنظيمية، بما يحقق التوازن بين صون التقاليد وتخفيف المشقة. ولا يُعد تقليل عدد المصافحات أو الاستعاضة بالسلام العام تقليلاً من مكانة أهل الفقيد، بل على العكس، هو احترام لمصابهم وتقدير لظروفهم النفسية والجسدية.

إن مراجعة هذه الظواهر ينبغي أن تنطلق من وعي مجتمعي هادئ، لا من نزعة صدامية مع الموروث. فالتغيير الناجح في المجتمعات المحافظة لا يفرض بالقسر، بل يتسلل عبر القناعة التدريجية والقدوة الحسنة. حين تبادر بعض العائلات إلى تنظيم صف الاستقبال بشكل مختصر، أو تعلن صراحة الاكتفاء بالسلام دون تقبيل، فإنها تفتح باباً لممارسة أكثر بساطة وإنسانية، قد تتحول مع الوقت إلى عرف جديد أكثر ملاءمة لروح العصر.

في المحصلة، تبقى بيوت العزاء رمزاً للتكاتف، لكن الحفاظ على الرمز لا يعني الجمود في الوسيلة. إن تخفيف الاصطفاف، وقصر المصافحة على الأقربين، وإلغاء التقبيل بوصفه إجراءً غير ضروري ومُرهقاً صحياً، كلها خطوات تعيد للتعزية معناها الأصيل: كلمة صادقة، ومواساة خفيفة، وحضور يُشعر أهل الفقيد بأنهم ليسوا وحدهم، دون أن يتحول الواجب الاجتماعي إلى عبء إضافي على الجميع.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.